سيد محمد طنطاوي
130
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
نصارى نجران حين قدموا المدينة فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والألوهية فأنزل صدر هذه السورة ردا عليهم . . وكانوا ستين راكبا منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم وهم : العاقب أميرهم واسمه عبد المسيح ، والسيد صاحب رحلهم واسمه الأبهم ، وأبو حارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم . وفي القصة أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لما أتاه الخبر من اللَّه تعالى ، والفصل من القضاء بينه وبينهم ، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم . دعاهم إلى المباهلة فقالوا : يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا . . ثم خلوا بالعاقب فقالوا . يا عبد المسيح ما ذا ترى ؟ فقال . واللَّه يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيّا قط ، فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم . . فأتوا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ، ونرجع على ديننا ، فلم يلاعنهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأقرهم على خراج يؤدونه إليه . وروى الحافظ ابن مردويه عن جابر قال : قدم على النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة ، قال : فغدا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فأخذ بيد على وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج . قال : فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « والذي بعثني بالحق لو لاعنا لأمطر عليهم الوادي نارا » . ثم قال : وروى البخاري عن حذيفة قال : جاء العاقب والسيد صاحب نجران إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يريدان أن يلاعناه قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل ، فو اللَّه لئن كان نبيّا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا ، ثم قالا للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا . . فقال : « لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين » . فاستشرف لها أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « قم يا أبا عبيدة بن الجراح » . فلما قام قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « هذا أمين هذه الأمة » « 1 » . وقال صاحب الكشاف : إن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء والنساء ؟ قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله ، واستيقانه بصدقه ، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ، ولم يقتصر على تعريض نفسه له . وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة . وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل . ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب . . وفي الآية
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 368 .